يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
189
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
جدّ فجد أنت ، وقدموا الأب على الجدّ لأن أباك أقرب إليك من جدّك ، واللّه تعالى أعلم بالحكمة في ذلك . ولما أضافوا للجيم حاء تركوها بلا نقط ، ونقطوا الخاء للفرق ، وكذلك سائر الأزواج كلها مثل الدال والذال والراء والزاي والطاء والظاء والصاد والضاد والعين والغين والسين والشين ، وراعوا في أكثرها ترتيبها في أبجد مثل الكاف واللام والميم والنون في كلمن ، وما شذّ من ذلك فإنما قدموه بحسب المخارج ، وهذه علة ترتيب أهل المشرق وحروفهم على غير ترتيب بلاد المغرب . ذكر أكثر هذه المعاني أبو عمرو المقري رحمه اللّه في كتاب المحكم ، أو لعل ذلك ليس يعلمه إلا اللّه ومن علمه إياه من أنبيائه وأوليائه كما خلق صور هذه الحروف على هذا الشكل ، واللّه تعالى أعلم . وكذلك الشكل الذي هو النقط والضبط أو الضبط بالحركات حسبما تقدّم يخالف ما عندهم ما عندنا ، وكره طائفة من العلماء نقط المصحف وقالوا : جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء . وفي لفظ آخر : ولا تخلطوا به ما ليس منه . وكان الحسن وابن سيرين يكرهان نقط المصحف ، ولم يكن منقوطا فيما تقدّم ، وأرخص فيه طائفة أخرى وقالوا : هو تنوير له . وقال ابن وهب : حدّثني الليث وهو ابن سعد قال : لا أرى بأسا بنقط المصحف بالعربية . وقال ابن وهب : وسمعت مالكا يقول : أما هذه الصغار يعني التي يتعلم فيها الصبيان فلا بأس بذلك فيها ، وأما الأمهات فلا أرى ذلك فيها . وسئل ربيعة بن عبد الرحمن عن شكل القرآن في المصحف ، فقال : لا بأس بذلك . وقال أبو عمرو المقري في كتاب المقنع أحد تآليفه : اختلف الرواة لدينا في من نقط المصاحف من التابعين ، فروينا أن المبتدي بذلك كان أبا الأسود الدؤلي رحمه اللّه تعالى ، وذلك أنه كان أراد أن يعمل كتابا في النحو ويقوّم الناس به ما فسد من كلامهم ، إذ كان قرشيا فقال : أرى أن أبتدئ بإعراب القرآن أوّلا ، فأحضر من يمسك المصحف وأحضر صبغا يخالف لون المداد وقال للذي يمسك المصحف : إذا فتحت شفتي فاجعل نقطة فوق الحرف ، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة تحت الحرف ، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف ، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فاجعل نقطتين ، ففعل ذلك حتى أتى على آخر المصحف ، وذكر في المحكم سبب ذلك أن معاوية رحمه اللّه تعالى كتب إلى زياد يطلب عبيد اللّه ابنه ، فلما قدم عليه وجده يلحن ، فردّه إلى زياد وكتب إليه كتابا يلومه فيه ويقول : أمثل عبيد اللّه يضيع ، فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال : يا أبا الأسود إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب ، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعرفون به كلام اللّه تعالى ، فأبى